بقلم بوهدان هورفات، محلل سياسي وخبير في التصالات والتعاون الدولي
يرى العديد من المراقبين أن التراشق السياسي الحالي بين الرئيسين الأوكراني والبولندي يثير بعض القلق، إلا أن الحقيقة الراسخة هي أن الحوار البناء حول كافة القضايا
الأخرى، وعلى جميع المستويات، سيستمر ويتطور. فأوروبا تواصل وقوفها صفاً واحداً في مواجهة التهديدات الروسية المتزايدة براً وبحراً وجواً، وبالطبع في الفضاء المعلوماتي. ومما لا شك فيه أن هذا السجال المذكور يتم تضخيمه واستغلاله بشكل مكثف من قبل متخصصي العمليات النفسية والمعلوماتية الروس، في محاولة يائسة لدق إسفين بين بلدين يقفان في خندق واحد.
وعلى الرغم من هذه الهستيريا المفتعلة في بعض وسائل الإعلام، ينطلق يوم الثلاثاء المؤتمر الكبير “إعادة إعمار أوكرانيا” في مدينة غدانسك البولندية، والتي تُعرف في بولندا بـ “المدينة الحرة”، وهي مسقط رأس كل من رئيس الوزراء دونالد توسك والرئيس كارول نافروتسكي. سيعج هذا الحدث بشخصيات رفيعة المستوى من الجانبين الأوكراني والبولندي، لتتلاشى معه كل جهود العمليات المعلوماتية الروسية بسرعة؛ حيث يجتمع أكثر من 800 مندوب رسمي من جميع أنحاء أوروبا والدول الشريكة لمدة أسبوع كامل. هذا التجمع لا يهدف فقط إلى دعم أوكرانيا سياسياً، بل عملياً وبقوة في مجالات الاقتصاد وعقد الشراكات. واللافت في الأمر هو وجود منافسة شديدة وإيجابية بين الدول حول من سيقدم دعماً أكبر، أو من سيكون السباق في الفوز بمشاريع الإعمار.
تأتي هذه التوترات السياسية في سياق تاريخي بالغ الحساسية، وذلك بعد أن كرّم الرئيس فولوديمير زيلينسكي وحدة عسكرية بمنحها اسم “أبطال جيش المتمردين الأوكراني” (UPA). يحظى هذا الجيش بتقدير كبير لدى الأوكرانيين لقتاله المرير من أجل الاستقلال والحرية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها. إلا أن هذا التكريم يلقى رد فعل مختلفاً تماماً وغاضباً في بولندا؛ حيث ترتبط وحدات هذا الجيش تاريخياً بما يسميه البولنديون “مذبحة فولين”، بينما يشير إليها الأوكرانيون بـ “مأساة فولين”. خلال تلك الحقبة المظلمة، فقد عشرات الآلاف من المدنيين حياتهم – وكان غالبيتهم الساحقة من أصل بولندي – في أراضٍ كانت تابعة لبولندا آنذاك، ثم احتلها النازيون، وتقع الآن ضمن حدود دولة أوكرانيا المستقلة.
زيلينسكي يعلق على القرار البولندي بشأن وسام النسر الأبيض
على خلفية قرار رئيس جمهورية بولندا بشأن سحب وسام النسر الأبيض، أدلى الرئيس الأوكراني بالتصريح التالي:
“صرح السيد رئيس جمهورية بولندا بأن وسام النسر الأبيض ليس تكريما عاديا. فهو رمز لأعلى درجات الثقة… إن مثل هذا الرمز لا يتطلب الاستحقاق فحسب، بل يتطلب أيضا احترام القيم التي تشكل أساس مجتمعنا.
وعليه، إذا كان يعتقد أن هذا الرمز الخاص يمكن أن يبقى لدى كاترين الثانية وبنيتو موسوليني وغيرهارد شرودر، فإننا في أوكرانيا لن نجادل في ذلك.”
يذكر الرئيس الأوكراني هذه الأسماء الثلاثة ليبرز المفارقة العجيبة والتناقض الصارخ في هذا القرار، ولتوجيه رسالة مبطنة بالسخرية المريرة:
- كاترين الثانية: إمبراطورة روسيا التي لعبت دوراً رئيسياً في تدمير وتقسيم بولندا ومسحها من الخريطة في أواخر القرن الثامن عشر.
- بنيتو موسوليني: الديكتاتور الفاشي الإيطالي والمتحالف مع هتلر في الحرب العالمية الثانية.
غيرهارد شرودر: المستشار الألماني الأسبق، والمنبوذ سياسياً حالياً بسبب علاقاته الوثيقة والمالية مع روسيا وفلاديمير بوتين.
يحمل هؤلاء تاريخياً هذا الوسام البولندي الرفيع أو لم يُسحب منهم رسمياً. ورسالة زيلينسكي هنا واضحة: إذا كانت بولندا تقبل بأن يحتفظ قادة يمثلون الاحتلال التاريخي، والفاشية، والتبعية لروسيا بأرفع وسام بولندي، فإنه من المفارقة أن يُسحب من رئيس أوكرانيا التي تضحي بدمائها حالياً للدفاع عن أوروبا بأكملها ضد نفس الخطر الروسي
إن أوكرانيا ممتنة للشعب البولندي على دعمه وتعاونه، اللذين يؤديان دورا مهما في النضال من أجل استقلالنا واستقلالكم عن روسيا. ستواصل أوكرانيا الدفاع عن نفسها في هذه الحرب التي شنتها روسيا، وسنحقق حتما سلاما كريما.
ستبقى أوكرانيا منفتحة على جميع صيغ التفاعل الجاد مع بولندا، من أجل السعي إلى عدم السماح بقراءات مختلفة للصفحات المعقدة والمؤلمة من ماضي شعبينا، وضمان الاحترام اللائق لجميع الضحايا الأبرياء في القرن العشرين.
أنا فخور بشعبنا وبكل جندي أوكراني… كنا نعتقد أن وسام النسر الأبيض في عام 2023 كان موجها تحديدا إلى الشعب الأوكراني وإلى جيشنا. واليوم أعدت الوسام إلى السيد رئيس جمهورية بولندا.
بقلم بوهدان هورفات، محلل سياسي وخبير في التصالات والتعاون الدولي
















