مصر وخيارات اليوم التالى  فى غزة

سياسة ورأي

سفير د محمد حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق

تتعامل مصر مع مسار «اليوم التالي في غزة» باعتباره اختبارًا سياسيًا واستراتيجيًا بالغ الحساسية، ليس فقط لمستقبل القطاع، وإنما لتوازنات الإقليم ولمنظومة الأمن القومي المصري ذاتها. فالنقاش الدائر حول ترتيبات ما بعد الحرب لا يمكن عزله عن حقيقة أن الصراع لم ينتهِ جذريًا، وأن أي معالجة جزئية أو تقنية ستؤدي حتمًا إلى إعادة إنتاج الأزمة في توقيت لاحق وبكلفة أعلى. ومن ثم، فإن الموقف المصري ينطلق من ضرورة تثبيت اليوم التالي كمسار سياسي متكامل، لا كحل أمني مؤقت أو كترتيب انتقالي بلا أفق.

وترى القاهرة أن المرحلة الثانية المرتقبة من وقف إطلاق النار  تمثل نقطة الارتكاز الحقيقية في هذا المسار، إذ تنتقل فيها الأوضاع من منطق وقف العمليات العسكرية إلى منطق بناء الاستقرار المؤسسي. غير أن هذا صر وخيارات اليوم التالي في غزة

 الانتقال يظل هشًا ما لم يُبنَ على مرجعية سياسية واضحة، وما لم تُحدَّد بدقة طبيعة المؤسسات والآليات المنوط بها إدارة هذه المرحلة. فالمقاربة المصرية ترفض بشكل قاطع أي تصور يُحوِّل المرحلة الثانية إلى غطاء لإدارة غزة بمعزل عن الشرعية الفلسطينية، أو إلى أداة لإعادة تموضع الاحتلال بأدوات غير مباشرة. كما تؤكد أن أي ترتيبات أمنية مؤقتة يجب أن تكون مرتبطة زمنيًا ووظيفيًا بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وأن تعمل على منع الفراغ، لا على تكريسه أو استبداله بوصاية جديدة.

وفي هذا السياق، يندرج الاجتماع العسكري الذي عُقد في ١٦ /١٢ الجاري في الدوحة ضمن إطار فني ضيق، هدفه مناقشة آليات تثبيت التهدئة ومنع الانزلاق الميداني، والتداول بين المشاركين حول قوة الاستقرار والاستعداد للمشاركة والتفاصيل العسكرية العام وليس كمنصة لاتخاذ قرارات سياسية بشأن مستقبل القطاع. وتتعامل مصر مع ما دار في هذا الاجتماع باعتباره جزءًا من إدارة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، يجب ألّا يُسمح بتضخيمها أو تحميلها ما يتجاوز طبيعتها، وبما لا يفتح الباب أمام تفسيرات قد تُستخدم لتكريس واقع أمني دائم أو لتجاوز الدور الفلسطيني الشرعي. وتؤكد القاهرة في هذا الصدد أن أي تفاهمات ميدانية لا تكتسب شرعيتها إلا إذا ظلت خاضعة للسقف السياسي الأشمل، ومتصلة بوضوح بمسار الحل النهائي.

ويكتسب هذا الموقف المصري سندًا إضافيًا من المرجعية الدولية التي يمثلها قرار مجلس الأمن رقم 2028 الصادر في 18 نوفمبر، والذي يربط بصورة صريحة بين وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية ذات مصداقية. وتنظر مصر إلى هذا القرار باعتباره إطارًا ناظمًا لأي ترتيبات لاحقة، وليس مجرد تعبير عن موقف دولي عام. ومن هذا المنطلق، ترفض القاهرة أي محاولة للالتفاف على هذا الإطار عبر ترتيبات أمنية منفصلة، أو عبر طرح وجود دولي أو قوة استقرار بلا تفويض واضح أو مهام محددة أو أفق زمني معلوم، وبما قد يؤدي عمليًا إلى نقل مسؤوليات الاحتلال إلى أطراف أخرى.

أما الدور المصري في معادلة اليوم التالي، فيقوم على معادلة دقيقة توازن بين الفاعلية السياسية وعدم الانخراط المباشر في إدارة القطاع. فمصر ترى نفسها ضامنًا للتهدئة ووسيطًا رئيسيًا في إدارة المرحلة الانتقالية، وفاعلًا محوريًا في تنسيق الجهد الإنساني وإعادة الإعمار بالتعاون مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين، على أن يظل الإعمار مرتبطًا بالحل السياسي وليس بديلًا عنه. وفي البعد الأمني، يقتصر الدور المصري على دعم بناء القدرات الفلسطينية المؤسسية، ومنع الفراغ، دون انتشار عسكري مصري داخل غزة، ودون قبول أي وضع قد يُفسَّر كوصاية أو إدارة مباشرة.

وتخلص القاهرة في مقاربتها إلى أن نجاح اليوم التالي في غزة مرهون بالحفاظ على توازن دقيق بين الواقعية السياسية والشرعية الدولية، وبين مقتضيات الأمن وضرورات الحل النهائي. فأي انحراف عن هذا التوازن، سواء عبر تسريع الترتيبات الأمنية على حساب المسار السياسي، أو عبر القفز على المرجعيات الدولية، سيقود إلى استقرار هش وقابل للانفجار. ومن ثم، فإن الموقف المصري يؤكد أن غزة لا يمكن أن تُدار خارج إطار الدولة الفلسطينية، ولا يمكن أن تستقر بمعزل عن إنهاء الاحتلال، وأن الدور المصري سيظل منصبًا على حماية هذا المسار، لا على الحلول المؤقتة التي تُراكم الأزمات بدلًا من حلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *