
الهدف: التوعية بترسيخ قيمة الاحترام وأثرها في ازدهار العلاقات الإنسانية.
الحمدُ للهِ حمدًا يليقُ بجلالِه وعظيمِ سلطانِه، نحمدُه على ما أنعمَ وأعطى، ونشكرُه على ما وفَّقَ وهدى، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمد، خيرِ من بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وعلى آله وصحبِه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فإن الاحترام ليس كلمةً تُقال، ولا مظهرًا يُتَصنَّع، بل هو خُلُقٌ عظيم يسكن القلوب قبل أن يظهر في السلوك، ودليلُ إنسانٍ عرَفَ قدر نفسِه فلم يُهِنها، وعرَفَ حقَّ غيره فلم يَظلمه، هو حفظُ الحدود، وصيانةُ الكرامة، وتوقيرُ الإنسان للإنسان، قولًا صادقًا، وفعلًا مستقيمًا، وسلوكًا نقيًّا.
والاحترام ثمرةُ إيمانٍ حيٍّ، وعلامةُ قلبٍ سليم؛ قلبٍ أقامه الله على العدل، وربّاه على حسن الأدب، وطهَّره من الأذى، وشرَّفه بحفظ الكرامة، فحيث يسكن الإيمان، يولد الاحترام، وحيث يغيب، تضيع القيم وتنهار المعاني.
وليس الاحترامُ في ميزان الإسلام خُلُقًا انتقائيًّا، ولا شرفًا يُمنح لفئةٍ ويُحجب عن أخرى، بل هو حقٌّ عامٌّ لكل إنسان، لأن الله كرَّمه بخَلقه، بل لكل كائنٍ في هذا الوجود، لأن في احترامه تعظيمًا لأمر الله.
وبالاحترام قامت المجتمعات، وبغيابه تفكّكت، وبحضوره تُصان الكرامات، وتُحفظ الحقوق، وتسمو النفوس، وتستقيم الحياة؛ فهو ميزان الرقي، ودليل الإيمان، وأمان المجتمعات من الانهيار.
- القرآن الكريم وتأسيس ثقافة الاحترام:
جاء القرآن الكريم بمنهجٍ ربانيٍّ محكم، يؤسِّس لمجتمعٍ راقٍ في ألفاظه، سامٍ في سلوكياته، يقوم على صيانة الكرامة الإنسانية، وتهذيب اللسان، وتقويم المعاملة، فسدَّ كلَّ بابٍ يُفضي إلى الاحتقار أو الإيذاء، فنهى عن السُّخرية والتنابز واللمز، لأنها تهدم القلوب قبل أن
بل أن تجرح الأسماع، فقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِیمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
“أي: يا من آمنتم بالله حقَّ الإيمان، لا يحتقر بعضكم بعضًا، ولا يستهزئ بعضكم من بعض، عليكم يا معشر الرجال أن تبتعدوا عن احتقار غيركم من الرجال، وعليكن يا جماعة النساء أن تُقلعْن إقلاعًا تامًّا عن السخرية من غيركُنَّ.
ونكر سبحانه لفظ {قَوْمٌ} و{نِساءٌ}، للإشعار بأن هذا النهي موجهٌ إلى جميع الرجال والنساء، لأن هذه السخرية منهيٌّ عنها بالنسبة للجميع” [التفسير الوسيط بتصرف].
- ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا﴾:
وأقام الخطاب الإنساني على الكلمة الطيبة، فأمر بالقول الحسن، وجعله عنوان الإيمان، ودليل النُّبل، وجسر المودة بين الناس، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا﴾ [البقرة: ٨٣].
“،قال أبو العالية: معناه قولوا لهم الطيب من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به، وهذا حض على مكارم الأخلاق” [المحرر الوجيز].
وقال العلامة ابن عاشور: “وَجَعَلَ الْإِحْسَانَ لِسَائِرِ النَّاسِ بِالْقَوْلِ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُمْكِنُ مُعَامَلَةُ جَمِيعِ النَّاسِ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ عَنِ اعْتِقَادٍ، فَهُمْ إِذَا قَالُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا فَقَدْ أَضْمَرُوا لَهُمْ خَيْرًا وَذَلِكَ أَصْلُ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ” [التحرير والتنوير ١/ ٥٨٣].
ثم دعا إلى اللين في الخطاب، حتى مع المخالف، ليعلِّم الأمة أن القوة ليست في الغِلظة، وأن الحق لا يحتاج إلى فظاظة، وأن احترام الإنسان لا يسقط باختلاف الرأي أو تباين المواقف، فقال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِینَ یَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنࣰا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَٰمࣰا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وفصل هذا القول في ردود أفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، فرغم الإيذاء الذي نالهم والسب والاتهام بالجنون وغيره ما كان ردهم إلا حسنا، فقال تعالى عن نوح عليه السلام وقومه: ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦۤ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینࣲ * قَالَ یَٰقَوۡمِ لَیۡسَ بِی ضَلَٰلَةࣱ وَلَٰكِنِّی رَسُولࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأعراف: ٦٠، ٦١].
قال السمرقندي: “وفي الآية بيان أدب الخلق في حسن الجواب والمخاطبة؛ لأنه ردّ جهلهم بأحسن الجواب” [بحر العلوم].
- الجناب النبوي المعظم والتطبيق العملي للاحترام:
لقد جسَّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم خُلُقَ الاحترام واقعًا حيًّا يراه القاصي والداني، ويحتذي به الكبير والصغير، فلم يكن خُلُقًا يُتداول في الأقوال، ولا موعظةً تُلقى بالألسن، بل كان فعلًا ناطقًا، وسلوكًا صادقًا، وترجمةً عمليةً لما دعا إليه وعلَّم به، فاجتمع له كمال القول وصدق العمل، حتى صار خُلُقه رسالةً تمشي على الأرض، ونورًا يهتدي به كلُّ من ابتغى طريق الكرامة والإنسانية.
ولما سُئلت أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله ﷺ، لم تُطِل وصفًا، ولم تَستكثِر عبارة، بل لخَّصت الكمال كلَّه في كلمةٍ جامعة، فقالت: “كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ” [رواه أحمد]؛ أي: كان قرآنًا يمشي على الأرض، تُرى آياتُه في حركته وسكونه، وتُلمَس معانيه في رحمته وتواضعه واحترامه للإنسان، ثم استشهدت بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: ٤]، لتقرر أن هذا الخُلُق العظيم لم يكن ادعاءً ولا وصفًا نظريًّا، بل حقيقةً شهد بها الوحي، وصدَّقتها المواقف.
ومن أبلغ تلك المواقف التي حفظتها لنا السُّنَّة المطهَّرة، أن النبي ﷺ قام لجنازةٍ مرَّت به، فلما قِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جنَازَةُ يَهُودِيٍّ، أطلق كلمته الخالدة التي اختصرت معنى الاحترام الإنساني كلَّه: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» [رواه البخاري].
كلمةٌ خرجت من قلبٍ تشرَّب القرآن فصارت تشريعًا عمليًّا، ودستورًا خالدًا يعلِّم البشرية أن كرامة الإنسان لا تسقط بدينه ولا بانتمائه، وأن الاحترام خُلُقُ النبوّة، ولسانُ القرآن حين يتحوّل سلوكًا حيًّا.
وكان صلى الله عليه وسلم يخاطب أصحابه بأحبِّ أسمائهم، ويُنزِل كلَّ ذي قدرٍ منزلته، فما كسر خاطرًا، ولا جرح شعورًا، ولا عاب إنسانًا.
وحذَّر أمته من داء الاحتقار، وبيَّن أن ازدراء الناس بابٌ من أبواب الشر، فقال صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» [صحيح مسلم] ، فجعل الاحترام ميزان الأخلاق، وعلامة صدق الإيمان.
قال الإمام الماوَرْدِي: ” إنَّ صِيَانَةَ النَّفْسِ أَصْلُ الْفَضَائِلِ” [أدب الدنيا والدين].
فمن أول ما يجب على المسلم أن يحترم ذاته، وأن يصونها عما يَشينُها، فلا ينزل بها إلى أن يُلام على فعل أو قول، بل يسعى إلى علو مقامها، وسمو منزلتها بأخلاقه وسلوكه، وقوله وفعله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ﴾ [الإسراء: ٣٦].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [رواه الترمذي].
وهذا أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه -وهو لا يزال على شركه-، وقد أراد هرقل عظيم الروم سؤاله عن النبي ﷺ، فقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: “وَاللَّهِ لَوْلاَ الحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ، مِنْ أَنْ يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الكَذِبَ، لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الكَذِبَ عَنِّي، فَصَدَقْتُهُ” [رواه البخاري].
وقَالَ السّري السَقَطي: “الْمُرُوءَة صِيَانة النَّفس عَن الأدناس، وَعَما يَشِينُها عِنْد النَّاس” [المروءة لابن المرزبان].
وصدق من قال:
لِنفْسِي أَبْكِي لَسْتُ أَبْكِي لِغَيْرِهَا … لِنفْسِي فَفِي نَفْسِي عَنِ النَّاسِ شَاغِلُ
المصدر الصفحة الرسمية لوزارة الأوقاف
الإصدار الرابع والثلاثون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء…قيمة الاحترام
أعدها للنشر سمية زهير